الشيخ محمد رشيد رضا
445
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
معصية للّه عز وجل ولكنه يتبع هوى نفسه ويؤثر ارضاء شهوتها وغضبها على رضوان اللّه ومنفعة عباده فذلك الذي تضرى نفسه بالشر وتأنس بالسوء ويصير ذلك ملكة لها مصرفة لارادتها في أعمالها حتى تصل إلى الدركة التي تتعذر معها التوبة وهي التي عبر عنها القرآن الحكيم بالختم على القلوب والرين عليها والطبع عليها وإحاطة الخطيئة بها وضرب لها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل النكتة السوداء وتقدم شئ من بيان ذلك آنفا ومن قبل في مواضع كثيرة . وقد سئلت مرة : لماذا لم تفسد أخلاق اليابانيين وتنحط هممهم وتصغر نفوسهم مع فشو الزنا فيهم ؟ فقلت : لأنهم يأتونه غير معتقدين حرمته دينا ولا قبحه عقلا . ولذلك يكون ضرره في الاخلاق قليلا ولكن ضرره في الصحة والاجتماع كبير على كل حال ونعود إلى كلام الأستاذ الإمام قال ما مثاله : انهم يقسمون التائبين إلى طبقات ويقولون إن الانسان عريق في الشر كأنه عجن بطينته ، ذلك أن الشهوات الحيوانية تسبق فيه الشهوات العقلية ، فهو يألف الشهوات أولا ثم يجئ العقل ليضع لتلك الشهوات النظام والقوانين ، والعلم بما شرع فيها من هداية الدين ، ومجاهدة النفس على امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، فكل انسان له هفوة قبل أن يستحصف العقل ويفقه أسرار النقل ، فمن الناس من هو كبير النفس عالي الاستعداد إذا وقع في الخطيئة مرة ؛ كان له منها أكبر عبرة ؛ وهو لا يقع فيها الا وهو غافل عن عواقبها ومصور إياها بصورة أحسن من صورتها ، وأنتم تعلمون أن الانسان لا يعرف مقدار الشئ قبيل الدخول فيه ، فإذا ألم العاقل السليم الفطرة بالذنب وذاق لذته عرف حقيقته وعند ذلك يعود اليه علمه الذي حجبته عنه الشهوة ، ويقوى في نفسه ما كان ضعف من نور البصيرة فيوازن بين هذه اللذة وبين قبح المعصية وما لها من سوء العاقبة فيظهر له من مهانة نفسه وسوء اختياره ما عسى أن يصير اليه أمره إذا عاد إلى ذلك واعتاده وعرف به فيندم ويقلع عن هذا الذنب وعن غيره ويحمل نفسه على الفضيلة ويصرفها عن كل رذيلة - ومن الناس من تكون داعية الشهوة أقوى في نفوسهم وأرسخ فكلما أطاعوها في معصية قامت الخواطر الآلهية تحاربها بلوم صاحبها وتوبيخه حتى تنتصر عليها